أبي منصور الماتريدي
104
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
جماع رأي الخوارج وما جمعهم من مبادئ : لم تلبث آراء الخوارج السياسية أن تحددت ، وأخذت شكل نظرية يسع الدارسين ومؤرخي الفرق إضافتها إلى النظريات السياسية الإسلامية ، ولا ريب أن مناظرات رؤسائهم ومجادلاتهم لخصومهم كابن عباس ، وعلي بن أبي طالب وابن زياد وعبد الله بن الزبير قد أسهمت بشكل ملحوظ في بلورة موقفهم السياسي وتحديد معالمه « 1 » . ومعلوم أن الخوارج لم يكونوا نحلة واحدة متفقة آراؤها وأنظارها إلى مسائل السياسة والعقيدة ، بل تفرقوا أحزابا شتى ومذاهب متعارضة ، بيد أن ثمة مبدأين عامين يجمعان بين فرقهم المتباينة ، هما : - القول بإكفار علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضي بتحكيم الحكمين . - أما المبدأ العام الثاني : فهو وجوب الخروج على الإمام الجائر « 2 » . وقد ذكر الكعبي في مقالاته أن مما يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها الإكفار بارتكاب الذنوب ، بيد أن عبد القاهر البغدادي ذهب إلى أن رأي الكعبي منابذ للصواب ، وأنه قد أخطأ في دعواه إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب منهم ، واحتج البغدادي بأن النجدات من الخوارج لا يكفرون أصحاب الحدود من موافقيهم ، وقد قال قوم من الخوارج : إن التكفير إنما يكون بالذنوب التي ليس فيها وعيد مخصوص ، فأما الذنب الذي فيه حدّ أو وعيد في القرآن ، فلا يزاد صاحبه على الاسم الذي ورد فيه ، مثل تسميته زانيا وسارقا ، ونحو ذلك . وقد قالت النجدات : إن صاحب الكبيرة من موافقيهم كافر نعمة وليس فيه كفر دين . يقول عبد القاهر البغدادي : وفي هذا بيان خطأ الكعبي في حكايته عن جميع الخوارج تكفير أصحاب الذنوب كلهم منهم ومن غيرهم . وإنما الصواب فيما يجمع الخوارج كلها ما حكاه شيخنا أبو الحسن - رحمه الله - من تكفيرهم عليّا وعثمان ، وأصحاب الجمل ، والحكمين ، ومن صوبهما أو صوب أحدهما أو رضي بالتحكيم « 3 » .
--> ( 1 ) انظر : محمد ضياء الدين الريس ، النظريات السياسية الإسلامية ( ص 66 ) . ( 2 ) انظر : عبد القاهر البغدادي ، الفرق بين الفرق ( ص 92 ) ، أبو الحسن الأشعري ، مقالات الإسلاميين ( ص 167 ) . ( 3 ) الفرق بين الفرق ( ص 9 ) .